الرئيسية » البنك المركزي يبدأ أولى خطواته الإصلاحية… مصارف عراقية تعود إلى الواجهة تدريجيًا

البنك المركزي يبدأ أولى خطواته الإصلاحية… مصارف عراقية تعود إلى الواجهة تدريجيًا

بدأ البنك المركزي العراقي مؤخرا باتخاذ خطوات عملية ضمن مسار الإصلاح المصرفي، في محاولة جادة لمعالجة الاختلالات المتراكمة التي يعاني منها القطاع منذ سنوات، ولإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية من جهة، وبين العراق والمنظومة المصرفية الدولية من جهة أخرى. وتأتي هذه الإجراءات ضمن خارطة إصلاح شاملة أُعدّت بالتعاون مع شركة أوليفر وايمان الاستشارية العالمية، وتهدف إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي ورفع مستوى الامتثال والحوكمة، بما ينسجم مع المعايير الدولية.

ومن أبرز هذه الخطوات، سماح البنك المركزي لعدد من المصارف العراقية بالعمل والتعامل بالعملات الأجنبية الأخرى، خارج إطار الدولار الأميركي، كمرحلة أولى ضمن برنامج إصلاحي تدريجي. ويعد هذا الإجراء، بحسب مختصين، مؤشرًا على انتقال البنك المركزي من مرحلة التشخيص والتنظير إلى مرحلة التنفيذ العملي، رغم ما يرافق ذلك من تحديات وضغوط داخلية وخارجية.

وفي الوقت نفسه، يشدد خبراء اقتصاديون ومصرفيون على أن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرهونًا باستكمالها بخطوات أوسع، في مقدمتها السماح للمصارف العراقية المؤهلة بالعودة إلى التعامل بالدولار الأميركي، لما لذلك من أثر مباشر في استعادة ثقة المواطن والمستثمر، وتنشيط الدورة المالية والاقتصادية التي ما تزال تعاني من حالة ركود نسبي.

وفي هذا السياق، يعبّر الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى الفرج عن قلقه من استمرار ما وصفه بحالة “الانفصال” بين المواطن والجهاز المصرفي، مشيرًا إلى أن هذه القطيعة لم تعد مسألة نفسية أو ثقافية فقط، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية حقيقية تؤثر في حركة السوق والاستثمار.

ويؤكد الفرج أن الخطوة الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي بإعادة عدد من المصارف إلى سوق العمل تمثل تحركًا في الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية إذا لم تُستكمل بإصلاحات هيكلية عميقة.

ويرى أن الفجوة بين حجم النقد المطبوع والمتداول خارج الجهاز المصرفي، وبين النقد الذي يُعاد ضخه داخل المصارف، باتت اليوم أكبر من أي وقت مضى، وهو ما يعكس ضعفًا بنيويًا في النظام المصرفي وغياب منتجات مصرفية جاذبة وقادرة على استقطاب أموال المواطنين.

ويضيف أن الإصلاح المصرفي في العراق لم يعد خيارًا يمكن تأجيله أو التعامل معه بسياسات جزئية، بل بات ضرورة اقتصادية ملحّة تمس استقرار الدولة المالي وقدرتها على تحريك الاقتصاد. وينبه إلى أن التردد في اتخاذ القرارات، أو التباطؤ في تنفيذ خارطة الإصلاح، يعيقان قدرة الحكومة على خلق دورة مالية حقيقية قادرة على امتصاص السيولة وتحويلها إلى استثمار منتج.

ويشير الفرج إلى أن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات المصرفية ينعكس مباشرة على ملف الاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي، لأن المستثمر يبحث أولًا عن قطاع مصرفي قادر على إدارة الأموال، وتوفير التحويلات، والضمانات، وخدمات التمويل، وفق معايير واضحة ومقبولة دوليًا. ومن دون ذلك، تبقى البيئة الاستثمارية طاردة، مهما توفرت فرص أو موارد.

من جانبه، يؤكد الخبير المالي والمصرفي الدكتور مصطفى حنتوش أن ما يجري اليوم يمثل بداية مسار إصلاحي طويل، تقوده إدارة البنك المركزي برؤية تعتمد التدرج لا الصدمة، والتقييم المستمر لا القرارات المتسرعة.

ويقول حنتوش:“إن البنك المركزي العراقي يعمل ضمن برنامج إصلاح متكامل، يقوم على مبدأ التدرج في إعادة دمج المصارف بالمنظومة المالية الدولية، مع الالتزام الصارم بمعايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. المصارف التي وقّعت على ورقة الإصلاح التزمت التزامًا كاملًا بتنفيذ المتطلبات، والبنك المركزي يراقب الأداء خطوة بخطوة، ويدعم المصارف الجادة التي تثبت قدرتها على التغيير الحقيقي، لا الشكلي.”

ويضيف حنتوش أن تعزيز الامتثال المصرفي ورفع قدرة المصارف العراقية على التعامل مع الأنظمة الدولية سيُسهم في تحسين صورة العراق ماليًا، وتقليل كلفة التحويلات الخارجية، وإعادة الثقة إلى الشركات والمصارف الأجنبية الراغبة بدخول السوق العراقية. كما يشدد على أن العراق بحاجة إلى خطوات جريئة تشمل توحيد أنظمة الدفع، وتطوير الأدوات المالية، والانتقال الجاد نحو الصيرفة الرقمية، بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الجنابي أن العقوبات والقيود التنظيمية التي فُرضت خلال السنوات الماضية شلت حركة الأموال داخل السوق العراقية، وأضعفت قدرة المصارف على جذب الودائع أو تقديم تمويلات حقيقية قادرة على تحريك الأسواق.

ويؤكد الجنابي أن السماح لعدد من المصارف بالتعامل بالعملات الأجنبية الأخرى، كمرحلة أولى، يمثل نقطة تحوّل مهمة في مسار القطاع المصرفي، ويفتح الباب أمام اندماجه التدريجي في الأسواق العالمية والتعامل مع البنوك الكبرى.

ويشير إلى أن المواطن العراقي لن يودع أمواله في المصارف ما دامت الخدمات المصرفية بطيئة، والأنظمة قديمة، والإجراءات الروتينية معقدة وتستنزف الوقت والجهد. ويضيف أن تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتبسيط الإجراءات، وإنشاء منصات مالية رقمية منافسة، سيكون له أثر مباشر في تغيير ثقافة التعامل مع المصارف، وتقليل الاعتماد المفرط على النقد الورقي.

ويجمع الخبراء على أن العراق يمتلك كتلة نقدية ضخمة محتفظًا بها خارج الجهاز المصرفي، وهي كتلة قادرة، في حال إدخالها إلى الدورة المالية الرسمية، على إحداث تحوّل كبير في المشهد الاقتصادي، ودعم النمو، وتقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر.

غير أن تحقيق ذلك، بحسب المختصين، يتطلب بناء الثقة قبل أي شيء آخر، عبر شفافية حقيقية، وخدمات مصرفية حديثة، وإصلاحات جذرية تعيد تشكيل القطاع المصرفي بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة، ويضع العراق على مسار مالي أكثر استقرارًا واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *